Thursday, January 17, 2019

صحف عربية: ماذا وراء قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا؟

تناولت الصحف العربية المستجدات الأخيرة المتعلقة بقرار الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قواتها من سوريا.
وعلقت الصحف على تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون بأن انسحاب قوات بلاده من سوريا يخضع لشروط، وفي ذلك إشارة إلى أن الولايات المتحدة قررت التدرج في الانسحاب. ووصف بعض الكتاب تصريحات بولتون بأنها "رسائل متناقضة".
"فشل" القوى الإقليمية
يرى عبد الرحمن الراشد في "البيان" الإماراتية أن "تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الانسحاب من سوريا نتيجة طبيعية لفشل القوى الإقليمية في النظر إليه كمشروع سلام هناك".
ويضيف الكاتب أن القوى الإقليمية تعاملت مع قرار الانسحاب على أنه "انسحاب المهزوم"ويقول: "العراق حليف واشنطن أظهر ارتباكاً وتراجعا أمام ضغوط طهران. وتركيا سارعت لتقديم تنازلات لروسيا وإيران، وكذلك ميليشيا الكرد السورية (قسد)، المحسوبة على واشنطن، مالت لدمشق وإيران، في وقت زادت فيه طهران شحناتها العسكرية إلى أرض المعركة".
ويورد الكاتب أن "وزراء ترامب اعتمدوا لغة قوية للتعويض عن لغة الانسحاب الانهزامية السابقة. جون بولتون حذر الأتراك بأنه لا انسحاب لقوات بلاده من سوريا إلا إذا تعهدت تركيا بعدم القيام بأي خطوة في سوريا من دون إذن واشنطن، وحذرها من استهداف المقاتلين الأكراد. لغة أمريكية اعتبرت أنقرة أن فيها عجرفة لكنها لم تتجرأ على تحديها".
أما أسامة عثمان فيقول في "القدس العربي" اللندنية إن "الانسحاب الأمريكي من سوريا، ولو لم يكن تامًّا، يُضعِف، مِن شرعيَّة القوَّات الأجنبية الأخرى، ومنها إيران وحزب الله، ولاسيَّما بعد تراجُع خطر تنظيم (داعش)، واستعادة النظام لمزيد من المناطق من أيدي القوى الثورية المعارضة. وتاريخيا، لم تكن العلاقات الإيرانية الروسية، قائمة على الثقة، بل إنها حفلت بالحروب والصراعات، منذ روسيا القيصرية. ولم يُعْهَد على روسيا، حتى أيام الاتحاد السوفييتي، الوفاء بتحالفات متينة".
ويضيف الكاتب أن "روسيا الفائزة بنفوذ تاريخي في سوريا، يمكِّنها من الوصول إلى المياه الدافئة، وإلى قلب المنطقة العربية، تدرك التوازنات الضرورية، ومتطلَّبات هذا الدور، وفي مقدِّمتها الحفاظ على أمن إسرائيل، ومراعاة مصالح دول خليجية تستعدّ لبذل الأثمان؛ من أجل كبح النفوذ الإيراني والحيلولة دون نصرٍ حاسم لإيران.
وتقول مينا العريبي في "الشرق الأوسط" اللندنية "إذا كان الهدف مواجهة (داعش) وإيران في المنطقة، بإعلان ترمب المفاجئ الانسحاب من سوريا، فلقد تلقت كل جهة متطرفة في سوريا دعماً جديداً، فباتت المسألة مسألة وقت. الوجود الأمريكي العسكري في سوريا ليس كبيراً، ولكنه يدل على التزام ولو جزئياً من الولايات المتحدة بهذا الملف".
وتضيف: "كلما كانت واشنطن موجودة عسكرياً في بلد ما، يبقى انتباهها السياسي مرتبطاً بذلك الوجود. ولكن الانسحاب، وبطريقة مفاجئة، يأتي ليتوج عاماً من التحرك الأمريكي للتراجع عن الموقف ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وإذا كانت إيران تخشى مواجهة داخل سوريا، فقد أصبحت اليوم في موقف انتظار الانسحاب الأمريكي كليا".
ويقول علي قاسم في "الثورة" السورية إن "الحراك الأخير يكشف عن تكثيف أمريكي في خط الرسائل المتناقضة، ويضاعف من حجم الألغاز والأحجيات في سياق الترويج للانسحاب من سوريا، بحيث إن الإضافات أو الملحقات التي تراكمت في هذا الملف تجعل من الصعب البناء على ما يصدر عن الإدارة الأمريكية بخصوص المقاربات التي تعتمدها في سياستها القادمة، وتوحي في الحد الأدنى بتشوش الصورة في سياسة تتعمد خلط المعطيات والاحتمالات، وربما السيناريوهات القادمة لذلك الانسحاب، الذي بات في علم السياسة مبازرة رخيصة لبضاعة كاسدة".
ويضيف قاسم أنه "بغض النظر عن الطريقة التي يعتمدها في نهاية المطاف لشكل الانسحاب المزمع، يبدو الحراك السياسي الموازي معها والنشاط المحموم الذي يقوده وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي حمال أوجه، ويرسم تقاطعات على المدى البعيد تأخذ شكل العبث بالوقت، والعبث بالاصطفافات السياسية الناشئة، والأخطر العبث بمكونات وركائز اعتادت عليها المنطقة لعقود طويلة".
ويقول فارس بريزات في "الغد" الأردنية إن "الرسائل المتضاربة من واشنطن أخافت الكثيرين. ولتبديد مخاوف أصدقاء واشنطن، وردع أعدائها، في المنطقة يبدأ وزير الخارجية بومبيو اليوم الثلاثاء زيارة لثماني دول عربية لإيصال رسالتين علنيتين على المستوى الاستراتيجي: الأولى أن الولايات المتحدة لم ولن تنسحب من المنطقة، والثانية أن إيران تشكل التهديد الرئيس لأمن المنطقة".
ويضيف الكاتب أنه "ليس من المنتظر أن يتفق معه كل مستقبليه على كل شيء إلا إذا كانت إملاءات مقررة سلفاً وعلى الشركاء التنفيذ".

Tuesday, January 1, 2019

كيف ترصد النمر في الغابة قبل أن يراك؟

من المفيد بشكل كبير لصناع فيلمٍ وثائقيٍ يتناول الحياة البرية في منطقة ما، على سبيل المثال، أن يفهموا ما الذي تريد الحيوانات إيصاله عبر ما تصدره من أصواتٍ، خاصةً إذا كان موضوع ذلك الفيلم يتناول حيواناً متمرساً في فنون التخفي بشكل فريد.
فإذا كنت في غابةٍ هنديةٍ شاسعة المساحة كثيفة الأشجار، وهناك نمرٌ تأمل في تصويره، سيكون السمع هو الحاسة الوحيدة التي يمكنك الاعتماد عليها لتحديد موقعه.
هذا الموقف تحديدا واجه من قبل ثيو ويب، مخرج الحلقة الخاصة بالنمور من سلسلة أفلام "ديناستيس" الوثائقية، التي تقدمها "بي بي سي إيرث". وقد وصف ويب الرحلة الرائعة التي خاضها لتصوير تلك الحلقة في مدونة صوتية أنتجتها "بي بي سي إيرث" كذلك.
فرغم أن عثورك على آثارٍ لأقدام النمر المنشود أو على علاماتٍ تدل على وجود نشاطٍ له سيساعدك في معرفة ما فعله ذلك النمر خلال رحلة قنصه الليلة الماضية مثلاً، فلن يكون بوسعك اقتفاء أثره أو تحديد موقعه إلا إذا أرهفت السمع وأنْصَتَ لصيحةٍ أو نداءٍ صادرٍ من هنا أو هناك، وخاصة إذا كان قد اختفى فور انتهائه من الصيد بين الشجيرات المتشابكة.
وبهذه الطريقة، تمكن ويب وطاقمه من تعقب النداءات والصيحات، ومن ثم اقتفاء أثر النمر وهو يمضي مُخترقاً الغابة ومتنقلاً بين أرجائها.
بعد ذلك، بات بوسع المرشدين المحليين المرافقين للفريق توقع المسار الذي سيأخذه ذلك الحيوان الضاري في الغابة، والأماكن التي كان يحتمل أن يظهر فيها أكثر من غيرها.
ووجد الفريق العامل مع ويب أن من بين أكثر المؤشرات الصوتية إفادةً في هذا الشأن ذلك التحذير الصادر عن قردة اللنغور.
وسيكون الأمر مثيرا لدهشتك أن تعلم أن الصيحات التي تطلقها هذه القردة للتحذير من وجود النمور تختلف عن تلك التي تطلقها للتحذير من وجود الفهود مثلا.
وتستجيب الأيائل المُرقطة - وهي الفريسة المُفضلة للنمور - لصيحات تلك القردة، لتطلق صيحاتٍ متواصلةً مُحذرةً بدورها بقية الأيائل.
ومن بين أكثر النداءات والصيحات المُميزة والتي يمكن للمرء الإنصات إليها والاعتماد عليها لاقتفاء أثر النمور، تلك الخاصة بـ "أيائل الصمبر"، وهي حيواناتٌ تصدر صوت صريرٍ من الحلق عندما تدرك أن نمراً ما في الجوار.
ويشير انطلاق صيحات وأصوات الإنذار الصادرة عن حيواناتٍ مختلفةٍ وتردد صداها في مختلف أنحاء الغابة، إلى أن النمر يعكف على عملية قنصٍ وصيدٍ لفريسةٍ ما.
من جهة أخرى، شعر ويب بالدهشة إزاء تنوع وثراء الأصوات والصيحات التي تصدرها النمور نفسها، سواء وهي تنادي بعضها بعضاً، أو وهي تهدر خلال التزاوج، قبل أن تندفع في الزمجرة بعد ذلك.
ورغم أنه طالما كان لدى البشر الرغبة في التواصل الكلامي مع الحيوانات، فإن تمكن الكائنات الحية من إطلاق مجموعةٍ متنوعةٍ وواسعةٍ من الأصوات - كذاك الذي نتحدث عنه- يفيد في إحداث أنماط تواصلٍ أخرى بين الأنواع المختلفة.
فتعلم إطلاق أصواتٍ جديدةٍ يعني بالنسبة للببغاوات - على سبيل المثال - أن بمقدورها تغيير طبيعة ذبذباتها الصوتية، لتنسجم مع أسرابٍ جديدة من الطيور.
كما أن تعلم ذلك يفيد أيضاً بعض الحيوانات في التفاخر بالقوة والسيطرة خلال طقوس التزاوج.
بجانب ذلك تتعلم حيواناتٌ مثل الدلافين والحيتان البيضاء مئاتٍ من الأصوات والذبذبات الصوتية الجديدة خلال حياتها. بل إن تسجيلاتٍ لكائناتٍ أخرى مثل إنسان الغاب وحتى الأفيال، تظهر أنها تصدر أصواتاً تبدو فيها وكأنها تقلد الأحاديث التي يتبادلها البشر.
لكن ليس بوسع كل الحيوانات القيام بذلك، نظراً لأن التحكم في العضلات الخاصة بإحداث الذبذبات الصوتية هذه، يحتاج إلى وجود دوائر دماغيةٍ معينةٍ، لا تتوافر سوى في بعض الحيوانات.
وتكشف مجموعةٌ مؤلفةٌ من أكثر من 50 مُورِثاً أو وحدة وراثية (جيناً)، تشابهاً في نمط النشاط الذي تشهده مراكز التحكم في إصدار الأصوات أو الكلام لدى العديد من الكائنات التي تتعلم هذه المهارة، بما في ذلك البشر والببغاوات والطيور المغردة والطيور الطنانة.
ويعني ذلك أن الإنسان يستخدم للكلام تلك الجينات نفسها التي تستخدمها الطيور المُغردة للزقزقة والغناء. أما الكائنات التي تفتقر إلى القدرة على تعلم أصواتٍ جديدةٍ مثل الدجاج وقردة المكاك، فلا تُفَعِّلُ تلك الجينات على الشاكلة نفسها.
ويصف ويب تجربته في هذا الشأن بالقول إنه من المثير للغاية أن يركز المرء بشدةٍ على "صوت قردٍ"، وينتفع من نداءات الحيوانات وصيحاتها، لتعقب مسيرة حيوانٍ آخر ليس بوسعه رؤيته وهو يجول في الغابة.
وبدلاً من الحديث إلى الحيوانات - كما قالت الشخصية الخيالية المعروفة باسم "دكتور دوليتل" في الرواية الشهيرة التي تحمل نفس الاسم - ربما يجدر بنا التركيز على الإنصات إليها.